فخر الدين الرازي
118
المطالب العالية من العلم الإلهي
اللفظية : وضعية والوضعيات لا تكون مانعة من النقيض . وأما ثانيا : فلأن هذه الدلائل ، لو كانت مانعة من النقيض . لكان الصحابة والتابعون أولى الناس بالوقوف عليها والإحاطة بمعانيها ، لأنهم كانوا أرباب تلك اللغة . ولو كان الأمر كذلك ، لكانوا عالمين بالضرورة بأن القول بصحة هذا المطلوب : من دين محمد عليه الصلاة والسلام . ولو كان الأمر كذلك ، لما وقع الاختلاف في هذه المسألة قديما وحديثا ، بين أمة محمد عليه الصلاة والسلام . فثبت : أن دلالة هذه الألفاظ على هذه المطالب ، ليست دلائل قاطعة مانعة عن النقيض ، بل هي محتملة للنقيض . ومتى كان الأمر كذلك ، كانت دلالة الدلائل اللفظية ، ليست إلا ظنية . فثبت بهذه الوجوه العشرة : أن الدلائل اللفظية لا تفيد إلا الظن . وظاهر أن هذه المسألة يقينية ، والتمسك بالدليل الظني في المطلوب اليقيني : باطل قطعا « 1 » فهذا تقرير البحث عن قولنا : التمسك بالدلائل اللفظية في المطالب اليقينية لا يجوز . وبالله التوفيق
--> ( 1 ) اعلم : أن المؤلف قد جانبة الصواب في هذا الحكم . فإنه بقوله إن القرآن يفيد الظن ، ولذلك يجب الاعتماد على الأدلة العقلية ، بقوله هذا يهدم أصول الدين بالكلية . لأن المقدم في الاستدلال هو دليل القرآن . وأما العقل فإنه يبين للراسخين في العلم أن هذا محكم ، وهذا متشابه . لا أن العقل يفيد اليقين رأسا . فقوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ . وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ يدل على أن العلم مترتب على التقوى في نظر إنسان ، وفي نظر إنسان آخر يقف عند قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ ويكون المعنى عنده : أن اللّه بين أحكام الدين وأحكام البيع ، ثم قال وَاتَّقُوا اللَّهَ أي في الأحكام التي ذكرها من قبل . ثم يفهم أن قوله وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ استئناف كلام جديد ، يفيد المنة والتفضل من اللّه على عباده . ومن هذا المثال يتبين أن النص مقدم في الاستدلال ، وأن العقل هو الذي يشرح النص ويوضحه . وللعوام بحسب عقولهم فهم ، وللراسخين فهم . واعلم : أن العقل الذي يقول به الإمام فخر الدين ، هو الذي أفاد الظن في دلالة الألفاظ . وهو أيضا يفيد الظن في كل الأمور ، بدليل اختلاف الفلاسفة ، والملل والأديان ، ونشوء المذاهب والفرق . فإذا وضح أن دلالة القرآن ظنية مطلقا ، وهو قد وضح من قبل : أن العقل لا يوثق به عند أقوام من الناس . فمعنى ذلك : الطعن في الدين بالكلية .